أحمد بن علي القلقشندي

323

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تظاهر في الدّنيا بأشرف ظاهر فلم نر أنقى منه غير ضميره ! كفاني فخرا أن أسمىّ بعبده وحسبي هديا أن أسير بنوره ! فأيّ أمير ليس يشرف قدره إذا ما دعاه صادقا بأميره ؟ وإنني في السؤال بكتبه أن يوصّلها ليوصل بها لديّ تهاني تملأ يدي ، ويودع بها عندي مسرة تقدح في الشكر زندي : عهدتك ذا عهد هو الورد نضرة وما هو مثل الورد في قصر العهد وأنا أترقب كتابه ارتقاب الهلال : لتفطر عين عن الكرى صائمة ، وترد نفس عن موارد الماء حائمة . بل ربما كان كلّ المكاتبة أو جلها شعرا ، وقد يكون صدر المكاتبة شعرا وذيلها نثرا ، وبالعكس . وقد يكون طرفاها نثرا وأوسطها شعرا ، وعكس ذلك بحسب ما يقتضيه الترتيب ، ويسوق إليه التركيب ؛ وربما اكتفي بالبيت الواحد من الشعر في الدلالة على المقصد وبلوغ الغرض في المكاتبة : كما كتب بعض ملوك الغرب إلى من كرر كتبه ورسله إليه بقول المتنبي : ولا كتب إلا المشرفيّة عنده ولا رسل إلا الخميس ( 1 ) العرمرم إلى غير ذلك من المكاتبات المتضمنة للأشعار . أما مكاتبات الملوك الآن فقلّ أن تستعمل فيها الأشعار ، أو يستشهد فيها بالمنظوم والمنثور ، وقد تجيء التلقيحات بأبيات الشعر في غير المكاتبات من الرسائل الموضوعة لرياضة الذهن ، وتنقيح الفكر كالرسائل الموضوعة في صيد ملك أو فتح بلد أو نحو ذلك ؛ وقد أودعت المقامة التي أنشأتها في كتابة الإنشاء جملة من الأبيات الشعرية ، أوردتها مورد الاستشهاد على ما يقتضيه المقام ، ويسوق إليه سياق الكلام ، على ما سلف ذكره عند الكلام على فضل الكتابة فيما تقدم . وعند

--> ( 1 ) الخميس : الجيش .